لون النص
     
     
     
لون الخلفية
     
     

نشأة الشيعة



إن نشوء الشيعة كطائفة مسلمة لم يكن في زمان متأخر عن صدر الإسلام بل إن نشأة الشيعة كانت في لب الدولة الإسلامية وفي عزها، ومن توهم أن الشيعة طائفة قد انطلقت حديثا أو أن تاريخها لا يمت إلى الإسلام بصلة فقد توهم أمرا عظيما بل أن الذي يروج لهذه الفكرة إنما في واقعه يروج إفلاسه العلمي الذي يكشف عن ضحالة المستوى الفكري الذي يحركه التعصب الأعمى ضد الشيعة الإمامية.

فقد قاموا بترويج الأباطيل ضد الشيعة حتى وصل بهم الأمر إلى أن يتوهموا أن تفسير شيعا في الآية الكريمة (الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)(1) إنما هم الشيعة الامامية الاثنى عشرية.

يحاول هؤلاء المتوهمون أن ينقلوا هذا التوهم إلى الناس مستغلين سذاجتهم ليكسبوا بذلك أصواتا إضافية معادية للشيعة معتمدين على الآلة الإعلامية خاصتهم والتي قامت على أساس محاربة الشيعة في شتى المجالات مدعومين من بعض الجهات المشبوهة.

ولست هنا لأبين الأسباب التي تقف وراء هذا العداء للشيعة والدوافع التي تحرك مسيرتهم المشبوهة، وإنما أريد أن أبين أننا كشيعة لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) نفتخر أن نكون منسوبين لهذا الإمام العظيم بل ولا ننكر هذه النسبة بوجه، ولم تكن نسبتنا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ناشئة من فراغ بل جاءت امتثالا لأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي أمرنا أن نتولى من هم أهل للولاية – أعني آل محمد (صلى الله عليه وآله)، ولذا نجد أن أول شخص أطلق على أتباع عليٍ (عليه السلام) شيعة هو النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بل وصفهم الله تعالى بأنهم خير البرية، ولست أدعي هذه الدعوى جزافاً بل قامت على ذلك أدلة كثيرة وردت في كتب العامة نسبت إلى الأعاظم منهم، وعليه سوف أستعرض بعض هذه الروايات الدالة على دعوانا.

فقد قال تعالى في كتابه الكريم (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) وهذه الآية ورد في تفسيرها كما عن كبار مفسري العامة ما يعضد دعوانا

واليك بعضه

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا عيسى بن فرقد، عن أبي الجارود، عن محمد بن علي أولئك هم خير البرية فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أنت يا علي وشيعتك(2)

حدثنا الحاكم أبو عبد الله الحافظ قراءة وإملاءا أخبرنا أبو بكر بن أبي دارم الحافظ بالكوفة أخبرنا المنذر بن محمد بن المنذر، قال: حدثني أبي، قال: حثني عمي الحسين بن سعيد، عن أبيه، عن إسماعيل بن زياد البزاز، عن إبراهيم بن مهاجر مولى آل شخبرة قال: حدثني يزيد بن شراحيل الأنصاري كاتب علي، قال: سمعت عليا يقول: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا مسنده إلى صدري فقال: يا علي أما تسمع قول الله عز وجل: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) هم أنت وشيعتك، وموعدي وموعدكم الحوض، إذا اجتمعت الأمم للحساب تدعون غراء محجلين(3).

قال السيوطي في الدر المنثور: وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين(4).

وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية) قال النبي صلى الله عليه [واله] وسلم لعلي: هو أنت وشيعتك، تأتي أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين، ! ويأتي عدوك غضابا مقمحين قال (علي) يا رسول الله ومن عدوي ؟ قال: من تبرأ منك ولعنك ثم قال رسول الله صلى الله عليه [واله] وسلم: من قال: رحم الله عليا يرحمه الله.

وجاء في الدر المنثور أيضا ناقلا ما أورده ابن عساكر في تاريخه (وأخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال كنا عند النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم فاقبل علي فقال النبي صلى الله عليه [وآله] وسلم والذي نفسي بيده أن هذا وشيعته لهم الفائزون يوم القيامة ونزلت أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية فكان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقبل علي قالوا جاء خير البرية)(5)

كما أورد الهيثمي في مجمعه ما هذا نصه (أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم بعث عليا مبعثا فلما قدم قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله ورسوله وجبريل عنك راضون وبسنده أن رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم قال لعلي أنت وشيعتك تردون على الحوض رواة مرويين بيضة وجوهكم وان عدوك يردون على الحوض ظمأ مقمحين)(6).

وأورد أيضا (أبى هريرة أن على بن أبى طالب [رضي الله عنه] قال يا رسول الله أيما أحب إليك أنا أم فاطمة قال فاطمة أحب إلي منك وأنت أعز علّي منها وكأني بك وأنت على حوضي تذود عنه الناس وأن عليه لأباريق مثل عدد نجوم السماء واني وأنت والحسن والحسين وفاطمة وعقيل وجعفر في الجنة أخوانا على سرر متقابلين أنت معي وشيعتك في الجنة ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم (إخوانا على سرر متقابلين) لا ينظر أحد في قفا صاحبه)(7)

وأورد الزرندي الحنفي في نظم درر السمطين (وعن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: إن الذين امنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية قال: لعلي هو أنت وشيعتك تأتي يوم القيامة أنت وشيعتك راضين مرضيين ويأتي عدوك غضابا مقمحين فقال يا رسول الله: ومن عدوي قال من تبرأ منك ولعنك، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) من قال: رحم الله عليا رحمه الله، وقال علي: فينا نزلت هذه الآية وفي مبارزتنا يوم بدر: هذان خصمان اختصموا في ربهم إلى قوله الحريق ونقل الإمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره إن سفيان بن عيينه سئِل عن قول الله: سأل سائل بعذاب واقع فيمن نزلت فقال: للسائل سألتني عن مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني أبي عن جعفر بن محمد عن ابائه عليهم السلام أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا فأخذ بيد علي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه فشاع ذلك وطار في البلاد فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري فأتى رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ناقة له فنزل بالأبطح عن ناقته وأناخها فقال: يا محمد أمرتنا عن الله أن نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فقبلناه منك، وأمرتنا أن نصلي خمسا فقبلنا منك وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك، وأمرتنا أن نصوم شهرا فقبلنا منك، وأمرتنا بالحج فقبلنا منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا وقلت: من كنت مولاه فعلي مولاه فهذا منك أم من الله فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والذي لا إله إلا هو إن هذا من الله، فولى الحارث بن النعمان وهو يريد راحلته ويقول: اللهم إن كان ما يقول محمد حق فأمطر علينا حجارة من السماء أو أتنا بعذاب أليم فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله تعالى بحجر فسقط على هامته وخرج من دبره وأنزل الله سأل سائل بعذاب واقع للكافرين ليس له دافع.)(8)

هذه الأحاديث غيض من فيض أوردتها هنا كي أبرهن لأولئك الذين يدعون أن الشيعة الامامية نشأت كحركة سياسية بعد وفاة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) وهذه الدعوى التي يعتقدها كثيرون إنما هي من الموروثات الأموية التي أقحمت في الكتب المنسوبة إلى أعاظم الشخصيات حتى وصلت إلينا اليوم فقبلت دون أي فحص أو تدقيق، فالذي يفترض بالباحث العقلاني أن يحرك عجلة بحثه وفق الضوابط والقوانين العقلائية للبحث العلمي دون الاحتكام إلى المعتقدات الموروثة والأفكار التي تنبعث منها رائحة الضغينة فيحاول طمس المناقب بحجة ضعف الروايات أو تأويلها.

وأنت كما ترى أننا في هذا البحث المختصر لم نعتمد على كتاب شيعي واحد بل كل ما جئنا به ورد بطرق العامة ومن كتبهم،فلماذا يحاول البعض أن يزيف الحقائق الواردة ؟ لماذا يحاول البعض أن يدخل الناس في صراع نحن في غنى عنه؟

وأنا اجزم ولا أدعي هذا عبثا ولا لهوا أننا كشيعة نستطيع أن نثبت ما نعتقد من عقائد من كتب الآخرين بخلاف الآخرين الذين لا يستطيعون أن يثبتوا عقائدهم من كتبنا، فمهما حاول البعض أن يخفي الحقيقة إلا أنها ظاهرة لمن أراد أن يصل إلى طريق الحق، أما من يريد أن يُعمي بصره وبصيرته عن الحق فليس لنا إلا تجاهله.

الهوامش

(1) جامع البيان - ابن جرير الطبري ج 03 ص 335.

(2) شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ج 2 ص 459.

(3) شواهد التنزيل - الحاكم الحسكاني ج 2 ص 460.

(5) الدر المنثور - جلال الدين السيوطي ج 6 ص 379.

(6) مجمع الزوائد - الهيثمى ج 9 ص 131.

(7) مجمع الزوائد - الهيثمى ج 9 ص 173.

(8) نظم درر السمطين- الزرندي الحنفي ص 92.

جواد القزويني